شواطئ الأحلام بين واقع الحلم وحلم الواقع

اذهب الى الأسفل

شواطئ الأحلام بين واقع الحلم وحلم الواقع

مُساهمة من طرف القبطانة في الإثنين نوفمبر 10, 2008 11:48 pm



جريدة الاسبوع الادبي العدد 807 تاريخ 11/5/2002
شواطئ الأحلام بين واقع الحلم وحلم الواقع /قراءة في مجموعة شواطئ الأحلام للقاص اسكندر نعمة/ ـــ إبراهيم خريط


هل كُتب على أحلامنا أن تظل تتسكّع على شواطئ الضياع؟ تصارع الأمواج، يتقاذفها المد والجزر، تثور، تصرخ، تستغيث، يرتد الصدى ولا شيء إلا الصدى. تعيد الكرة مرة بعد مرة، تتعلق ببارقة أمل وترفض الهزيمة والاستسلام. ولكن.. إلى متى؟!‏
هذا التساؤل يثيره الكاتب اسكندر نعمة في مجموعته القصصية (شواطئ الأحلام) الصادرة عن اتحاد الكتاب العرب عام /2000/م.‏
وقد ضمّت المجموعة اثنتي عشرة قصة قصيرة (تحمل أفكاراً وطنية المنبت قومية الامتداد إنسانية المقصد، لا غبار عليها ولا لبس فيها، ملتزمة بهموم إنساننا).‏
*في القصة الأولى (حدثني جدي) إشارة إلى بعض الجوانب السلبية في فترة (السفربرلك) كالجوع، والسرقة والاعتداء، والحروب والتشرد والموت. أما الحدث الرئيس فهو ما يرويه الجد كحكاية واقعية لم يخبره عنها أحد بل عرفها وعايشها.. فقد كان يعيش في مدينتهم لص مشهور اسمه سليمان الأزميرلي، ولم يكن يسرق البيوت أو يتعرض للأفراد، بل كان يسلب الجنازات (ولا يسمح لهم بمتابعة طريقهم إلى المقبرة قبل أن يتقاضى منهم مبلغاً يفرضه عليهم يتناسب مع مقام المتوفى وأهله وذويه) ص8. وعندما يتوفى أمين الخزائن يعيّنه الوالي أميناً للخزينة. لكنه يرجئ استلام عمله إلى ما بعد تشييع الجنازة. فيساورهم اعتقاد أنه يريد سلبها. لكنه لا يفعل بل يهمس في أذن المتوفى (إنك راحل عن هذه الدار الفانية إلى الدار الباقية، إلى دار الخلود، هناك ستلتقي الأبرار والصدّيقين. قل لهم: في تلك الدار الفانية أصبح سليمان الأزميرلي أميناً لخزانة الأموال.)‏
هذه القصة تحمل أكثر من دلالة، وللقارئ أن يرى فيها إشارات أو ومضات سريعة تشير إلى مأساة الشعوب أيام السفربرلك.. السلب والنهب، قطع الطرق، سرقة أموال الناس، الفوضى، الموت، تقليد المناصب لغير أصحابها ومن هم أهل لها.. أما تكليف الوالي أمانة الخزينة لسليمان الأزميرلي فهذا يذكّرنا بالمعلم الذي يعهد بعرافة الصف إلى أكثر التلاميذ شغباً، وقصده من ذلك أن ينضبط هذا الطالب ويضبط الآخرين.‏
*وتطرح قصة (الألوان الرمادية) مشكلة حملة الإجازة الجامعية الذين يرتادون دواوين الوزارات، وينتظرون سنوات عدة بانتظار التعيين دون جدوى. (سنتان طويلتان جداً خلتهما دهراً عاصفاً وأنا أتردد إلى ديوان الوزارة) وعندما يتعرف على جاره الجديد ويقصده أملاً بمساعدته يتبين له أنه يعمل في الترجمة المحلفة، يترجم الوثائق والقيود الرسمية، وأن من يطرقون بابه كل يوم ليسوا من كبار المسؤولين أو أصحاب المناصب الرفيعة، بل هم أناس عاديون يأتون بالوثائق ليترجمها لهم.‏
*هل يمكن للكاتب أن يكتب أدباً عظيماً إذا كان خائفاً؟ تساؤل يطرحه مكسيم غوركي ويجيب عنه بالنفي. ربما كان هذا رأي الأغلبية العظمى من الناس، إذ أن التجربة والواقع يؤكدان ذلك. ولكن.. لما كان السلوك الإنساني لا يخضع للحتمية أو القوانين الثابتة كقوانين الرياضيات والفيزياء والكيمياء، فلا يمكن الجزم بأن الخوف لا يثمر أدباً عظيماً أو فعلاً شجاعاً.. إن النتائج تتوقف على قدرة المرء في توظيف حالته النفسية توظيفاً إيجابياً. أما (محمود عبد القادر) في قصة (حالة خوف) الذي تعرّض لنهشة ذئب شرس، فقد (تصاعدت حالة الخوف عنده أكثر، غلت مراجله، سلقته من الداخل ففجرت فيه آلاماً جديدة) ص25. كيف لا والطبيب يريد ضبط الشرطة عن الحادث. إذ ذاك (لم يدرِ حقيقة هذا الألم، أهو خوف من الذئاب أم من الشرطة) ص 27.‏
إن عصر الانحطاط لم يثمر أدباً (منحطاً). بل إن ما يسمى بأدب الانحطاط ما هو إلا وثيقة تتميز بالقوة تفصح عن الماضي بما لم تفصح عنه كتب التاريخ ذاتها. وإن الشعور بالخوف حالة ضعف، أما التعبير عنه فهو حالة قوة. وإلا كيف يعبر الخائف عن خوفه؟!‏
*في قصة (الخروج من الحلم) يعود المهندس الميكانيكي نعيم المقدسي إلى الوطن (القدس، المدينة التي أحبها بلا حدود) وكان كل ما حوله ينذر بالمأساة (لقد تأزّمت روحه بين صورتين: الوطن المنكوب والشهادة المطوية بإتقان في ثنايا المحفظة) ص 33.‏
وفي طقوس الحلم يرى أبا محجن الثقفي والفرس البلقاء وسيف سعد. ثم ينسحب أبو محجن مع حزمة النور القادمة من النافذة العريضة بعد أن قال له: (لم أجد غيرك إنساناً أأتمنه على سيفي وفرسي) ص 37. (وعندما استفاق نعيم من طقوس الموت المجاني وغادر بيته كان الشارع الرئيس في القدس يحمل على شفتيه ابتسامة طيبة هادئة تختزن في ذاكرتها أزيز الرصاص ودخان القنابل لتستقبل كل الذين هزّتهم الصحوة وتخلّوا عن أحلامهم المجانية) ص 38.‏
*في قصة (آلام) تبدو مآسي الشعوب واحدة مهما اختلفت قومياتهم ومذاهبهم. مأساة الأرمن ومعاناتهم من ظلم الأتراك، مأساة الفلسطينيين ومعاناتهم من الظلم والعدوان الصهيوني. (قبل أن يبادر آغوب لفعل أي شيء التفت جاويد بك إلى العساكر المحدقين بالعائلة وأصدر أوامره الصارمة: أبيدوا هذه الحشرات). (الجنود يسوقون العائلة نحو حفرة إلى جانب الوادي.. بكاء، صراخ، نحيب، عراك، طعن بالحراب والخناجر والسيوف... دم يتفجر، أضلاع تتكسر، أحشاء تتمزق) ص 45.‏
هل تغير شيء في العالم ونحن في القرن الحادي والعشرين؟!... أبداً.‏
المبعدون الفلسطينيون، المشردون، الجنوب اللبناني، هدم البيوت وتدمير البنية التحتية، القتل والاعتقال والحصار.. وتهديد دول برمتها ووصفها بالإرهاب وبأنها محور الشر! وحرب معلنة يصفها معلنوها دون مواربة او خجل بأنها حرب صليبية!..‏
*مأساة الإنسان في هذا العصر ولهاثه وراء لقمة العيش يتناولها الكاتب في قصته (عندما تغيّم الأشياء). (بعد الظهيرة غادر المدرسة، التحق بالورشة، وعند المساء عاد إلى البيت شجرة يابسة محنية الأغصان) ص 55. و(عندما أغمض عينيه لتغيم الأشياء من حوله استبدت به صورة آسرة ملونة الأطياف.. المدرسة والورشة وأسرة مؤلفة من خمسة أشخاص) ص 57.‏
*(لوحات دامية).. لوحة الحب والفقر.. الحب الذي يتلاشى في دوامة الفقر (رفعت يدها اليمنى أمام عينيه، لمع شيء في إصبعها) ص 59. أما الفرح فقد أصبح في قائمة الممنوعات، ولوحة الطالب الذي رفض أداء التحية للعلم الإسرائيلي (ليست المرة الأولى. لن أحييه أبداً. أمسك بالمسدس وراح يجري باتجاه بيت مدير المدرسة اليهودي) ص 62.‏
*الأشجار لا تموت إلا وهي واقفة.. حقيقة لا يمكن إغفالها أو التغاضي عنها. تؤكدها قصة (في المقهى) بينما يدور حديث سفسطائي بين ثلة من الأصدقاء:‏
*وتبدو المفارقة في حديث المدير صديق الدراسة عن القيم وشعوره بأن من يحدثهم لا يصدقونه، في قصة زيارة.. فهو يقول (أيترتب علي دائماً أن أثبت للناس ما يقلقني) ص 65. فإذا كان هو لا يصدق نفسه فكيف يصدقه الآخرون؟!.‏
*وتلخص العبارة التي تصدر عن عجوز في السيارة التي تعطلت وتوقفت.. تلخص القصة عندما يقول (هل كتب علينا أن نظل حيث نحن، أسرى هذه السيارة اللعينة؟!).. ثم تأتي النهاية- المأساة. (السيارة لن تقلع من مكانها أبداً.. ويبدو أنها ستظل "هناك.. قرب الصخرة") في القصة المعنونة بهذا العنوان.‏
*وللرومانسية مكانها لدى الكاتب فهو يبدأ قصته (تداعيات في لحظة الاكتمال) كما يلي: (في أعماق القلب نبتت قرنفلة.. ارتوت بنسغ الدم المتدفق دون الأماني) ص 95.‏
*القصة الأخيرة في المجموعة (أحلام بلا نهاية) قصة متخيلة، حوار بين الجاحظ وشكسبير، وجهات نظر متقاربة ومتفاوتة. يضمنها الكاتب أفكاراً يود طرحها ومعالجتها (اسمع يا أبا عثمان، لقد همس في أذني أحد الأصدقاء بأن أعيد كتابة مسرحية تاجر البندقية وأحذف ما كتبته عن فضائح اليهود وجشعهم وحقدهم وأنانيتهم وأنا حائر في ذلك) ص 109، ويقول أبو عثمان عندما يسأله شكسبير عن شؤون الحياة والمجتمع والسياسة: (لا يا صديقي، كل شيء إلا هذا فأنا لا أجرؤ على الحديث فيما سألت).‏
وبعد.. لو تساءلنا عن العامل المشترك بين قصص المجموعة.. الواقع؟ أم الحلم الذي ما زال يتسكع على شواطئ الضياع؟ أم كلاهما معاً؟ سؤال لا يمكن الإجابة عليه إلا بقراءة الكتاب، وتغلغل الفكر في ثنايا عباراته وصوره..‏
لقد صاغ الكاتب قصصه بلغة سلسة، سهلة، واجتهد أن يجسّد لنا بعض الجوانب السلبية محققاً شرط الإمتاع وشرط الإيهام. ومجموعته القصصية هذه هي الثامنة ولنا أمل كبير في صدور مجموعات وأعمال أخرى، لها حضورها ليس في الأدب العربي فقط وإنما في الأدب العالمي.‏
-شواطئ الأحلام- قصص- اسكندر نعمة‏
إصدار اتحاد الكتاب العرب عام /2000/‏

_________________
المجاهرة بـ الألم تسول "شفقة"
والتستر عليه إعلان "نعي"
وبينهما لن يصلح الدمع ما أفسدته قلوبنا

-~**·~-القبطانة*
*·~-.¸¸,.-~*
لا تسأل العين الحزينة
كيف أدمتها المقل
لا تسأل الطير الشريد
لأي أسباب رحل
*·~-.¸¸,.-~*
avatar
القبطانة
المدير العام
المدير العام

عدد الرسائل : 782
الجنسية : شواطئ الأحلام
العمل : مهندسة
المزاج : قلق الانتظار
تاريخ التسجيل : 11/10/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://beaches.7olm.org

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: شواطئ الأحلام بين واقع الحلم وحلم الواقع

مُساهمة من طرف جلنار في الثلاثاء نوفمبر 11, 2008 6:48 pm


إذاً فهل هذه المجموعة القصصية هي سر اسم موقعنا عزيزتي القبطانة؟؟؟
أظن أنها تستحق فما سبق أعلاه قراءة رائعة لكتاب رائع
كل الشكر لكِ

avatar
جلنار
المراقبة العامة
المراقبة العامة

عدد الرسائل : 407
الجنسية : سورية
العمل : محترفة منتديات
المزاج : مو رايقة
تاريخ التسجيل : 02/11/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: شواطئ الأحلام بين واقع الحلم وحلم الواقع

مُساهمة من طرف القبطانة في السبت ديسمبر 06, 2008 7:40 pm

لا أنكر غاليتي جلنار أن المجموعة أثرت بي في اختيار اسم الموقع بالاضافة طبعا لعوامل أخرى وهنا نعيد السؤال:
هل كُتب على أحلامنا أن تظل تتسكّع على شواطئ الضياع؟ تصارع الأمواج، يتقاذفها المد والجزر، تثور، تصرخ، تستغيث، يرتد الصدى ولا شيء إلا الصدى. تعيد الكرة مرة بعد مرة، تتعلق ببارقة أمل وترفض الهزيمة والاستسلام. ولكن.. إلى متى؟!‏
هذا السؤال يجعلنا نفكر أن نخطو خطوات إيجابية ومدروسة باتجاه تحقيق أحلامنا وأهدافنا بدلا من البكاء على اطلال الماضي
نحن أمة بديننا وقيمنا وعقولنا نستحق افضل مما نحن عليه بكثير فهلم إلى العمل ولا تضيع حقوق وراءها طلابها ولا تضيع أعمال بهمة أصحابها
شكراً على مرورك المميز والرائع كما هو دائما
دمتي بكل الحب

_________________
المجاهرة بـ الألم تسول "شفقة"
والتستر عليه إعلان "نعي"
وبينهما لن يصلح الدمع ما أفسدته قلوبنا

-~**·~-القبطانة*
*·~-.¸¸,.-~*
لا تسأل العين الحزينة
كيف أدمتها المقل
لا تسأل الطير الشريد
لأي أسباب رحل
*·~-.¸¸,.-~*
avatar
القبطانة
المدير العام
المدير العام

عدد الرسائل : 782
الجنسية : شواطئ الأحلام
العمل : مهندسة
المزاج : قلق الانتظار
تاريخ التسجيل : 11/10/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://beaches.7olm.org

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى