مواجع الافتراض..

اذهب الى الأسفل

مواجع الافتراض..

مُساهمة من طرف أمير اليمين في السبت نوفمبر 15, 2008 8:21 pm

وجدتني وقد بدأت ذاكرتي تمحي تدريجيا، كجهاز عاطل قد أتلفت ملفاته وبرامجه الأساسية، ما عدت أستوعب الأحداث جيدا، ولكنني لا أزال أبحث عن شيء يوقظ غفوتي وينتشلني من افتراضاتي الموجعة. هل كنت صحوتها أم كانت هي غفوتي. كيف شكلتها من أوهامي ثم صيرتني أتبعها وأتبع أوهامي. كيف أوجدتها من صنع أفكاري لتكون قدرا يسيرني. ويكأنني لست صانعها من أوهام كانت تجول بخاطري، ويكأنها من أوهامي قد شكلتني.
كنا نجول في عوالمنا الافتراضية، واعتقدنا أننا بلغنا المنتهى، لا أحد منا يأبه لشيء، نستطيع فعل ما نريده طالما نحن من أوجد هاته العوالم. فضاءاتنا واسعة لا متناهية. شخصياتنا التي نتقمصها كثيرة لا تعد ولا تحصى. أسماءنا مستعارة وصورنا مفبركة، حتى أصواتنا لم تكن هي، كانت موجاتها تتغير حسب اشتهاءاتنا. كنا نلتقي في كل هاته العوالم عبر مواقع خاصة، ولم يكن أحد منا ليعرف حقيقة الآخر. فالمواقع مثيرة وشهية، لا تستطيع إلا أن تلجها وتغوص عمق برامجها، لتبدأ مغامرة الإثارة وحكايات طويلة منسوجة من خيوط وهمية، لا نراها ولا نسمعها إلا في خيالاتنا. كنا نرسل شخصياتنا المفتعلة لتنوب عنا في اللقاء، فتفعل فعلتها وتبث سحرها وتنشر أفكارها. حتى ما إذا تلاقحت واندمجت سررنا بها وتواعدنا أن نجدد بينها اللقاء، لتفعل فعلتها وتبث سحرها وتنشر أفكارها. الحب كان أول المشتهى وأوله كان مجرد افتراض. وراح ينمو حتى ملأ جل المواقع فأصبح يقظ المضاجع ويشغل العيون. وكلما اعتقدنا أننا استفقنا، وجدنا أنفسنا كل في مكانه لم يغادره ولم يفعل شيئا يذكر. ربما قد تجردت منا أفكارنا وانفلتت شخصياتنا المستعارة، فراحت تعبث بنا وتلعب أدوارا غير تلك التي كنا نعرف، فرأينا الحروب والدمار، وكل أنواع الموت، وأصبح الدم عنوانا جديدا، يشغل العديد من المواقع. ووجدنا أنفسنا كأننا مجبرون على اتخاذ موقف من كل ما يجري من حولنا، ولكننا نعجز عن فعل أي شيء حيال ما يحدث، لأننا قد أصبحنا مجرد آلات تحركها يد العبث في كل مكان. فالحب ما عاد يحمل وجه الحب، والموت من حولنا صار كالانتصار. وبدأت مواجعنا تتجلى وتتشكل في تسارع مخيف، لم نعد نشتهي افتراضاتنا، وقد أصبحت كلها مواطن للتعب، ومواقع للدم والاغتصاب. فأردنا أن نكون شيئا آخر لم تصنعه هواجسنا، شيء يعرف طريقه للتكون، شيء تصنعه المادة لا تشكله الأوهام. ورحنا نحلم أننا قد التقينا خارج تلك العوالم، ورحنا نؤسس لمواطن جديدة وقصص أكثر دقة واتزان. واتفقنا ربما على حقيقة واحدة، أننا لا بد وأن نلتقي بأجسادنا التي لا تستطيع فعلا أن تعبر تلك المواقع والأجهزة، ولا بد للحب بيننا أن ينضج ويتعدى حدوده الافتراضية، فقد تداخلت أسماءنا وتشابكت صورنا وأصواتنا، حتى عدنا لا نفرق بين بعضنا، وكأننا قد أصبحنا شخصا واحدا مريضا تشكله أوهامه الهستيرية.
قررنا أخيرا ربما، أن نمحو كل تلك الصور والأسماء المفتعلة، وأن نواجه واقعنا كما هو دون زيف. لكننا هل كنا نعلم حقا ما الفرق بينهما، فنحن لا نخرج من عالم افتراضي إلا وقعنا في عالم الأحلام والخيال. حتى أصبحنا لا نعرف أنحن موجودون في الواقع حقا ـ هذا الواقع الذي ظننا أننا قد اعتزلناه لننجو من مواجعه المؤلمة ـ أم أننا مجرد هواجس تدور في مخيلة شخص تائه، أم أننا بعض من برامج افتراضية تشغل ذاكرة جهاز رديء. لم نكن ندري أنها ربما عوالمنا التي أوجدتنا وهي تفعل بنا الآن ما تريد. لم نكن ندري أننا قد نكون كعوالمنا التي اعتقدنا أننا اخترعناها، مجرد أشخاص وهمية ليست من الواقع في شيء. كيف نكون قد شكلنا هاته العوالم كلها لتسخر منا وتعبث بأقدارنا كيفما تشاء.
أن تعتقد نفسك غير الذي أنت، ذلك منتهى العبث. أن تعتقد غيرك غير الذي هو، ذلك منتهى الوهم. أن يعتقدك غيرك غير الذي أنت، ذلك منتهى الوجع. أنت تبحث عن شيء أنت هارب منه.. لست أدري أين ومتى قرأت هاته الكلمات، ولكنني الآن أجدها تنطبق وحالتي، فجميع اعتقاداتي واعتقاداتها وحتى افتراضاتنا التي كنا نزعم أنها هي الحقيقة التي لا بد وأن نؤمن بها، لم يكن منها شيء في محله. وبدأت أسائل نفسي أين يمكننا أن نكون من هذه العوالم المشكلة بمنتهى التداخل والغرابة، أين نحن من كل هاته المتاهات.
كان لا بد لي منذ البداية أن أفهم أن كل العلاقات الافتراضية مآلها الحذف النهائي، ككل البرامج والملفات المتلفة من الجهاز، وككل الأحلام العابرة. كان لابد لي أن أوقن أن علاقتنا لم تكن سوى برنامجا صمم من أجل تحميل بعض المواجع الافتراضية والذكريات العالقة بالذاكرة لتوجعها. كان لا بدلي أن أدرك أننا مجرد حلم عابر يؤرق ذاكرة شخص تائه.
لعلي انتظرتها طويلا ولم تأت، ربما لم تكن صادقة أو ربما لم تعد قادرة. ربما ما عادت بالقرب مني لتسمع صوتي المستعار أو ترى صوري المفبركة، كذلك هي قد تكون مثلي زورت كل الحقائق، وما عاد بوسعها الاعتراف، وهي الآن ترتب أغراضها لتغادر الموقع برمته.
لعلها كانت في انتظاري.. ربما لم أكن صادقا أو ربما لم أعد قادرا. وها قد أصبحت لا أعلم من بعد علمي شيئا، وكأن الأيام تفر مني فرا، و كأن أجزائي التي تكونني تود أن تنشطر عني.
كل اعتقاداتي التي كنت قد آمنت بها لم تعد لتملأ الفراغ اللامتناهي والذي يحتويني ويسكنني في آن واحد. هذا الفراغ الذي ما عدت لأدري من منا شكل الآخر.
كانت تلك هي مواجع الافتراض التي افترضتها ذات مرة. أو لعلها صممتها هي، أو ربما قد شكلتنا افتراضاتنا معا، لنكون كالعديد من الملفات والبرامج التي لا يمكن لها أن تعمل إلا داخل جهاز خاص. هل كنت صحوتها أم كانت هي غفوتي. وجدتني وقد بدأت ذاكرتي تمحي تدريجيا، كجهاز عاطل قد أتلفت ملفاته وبرامجه الأساسية ما عدت أستوعب الأحداث جيدا، ولكنني لا أزال أبحث عن شيء يوقظ غفوتي وينتشلني من افتراضاتي الموجعة.
avatar
أمير اليمين
بحار نشيط
بحار نشيط

عدد الرسائل : 25
الجنسية : جزائرية
العمل : موظف
المزاج : متقلب
تاريخ التسجيل : 29/10/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: مواجع الافتراض..

مُساهمة من طرف محمد بويش في الثلاثاء نوفمبر 18, 2008 12:14 pm

الفراغ..تفكرني ..بيونيسكو...رائد المسرح العبثي...يقول في نهاية مسرحيتي لا يوجد سوى الغبار..العالم الافتراضي عندك اميرهو خروج حتى عن المعتقد..كل اعتقاداتي التي كنت امنت بها..قد تفسر من النص انها معتقدات ذاتية وهذا مفهوم ..ولكن عندما تضيف الايمان فانت تجزم في النص منظوره الديني..العبث في النص سيدي لايلمس المعتقد..بيكيت..او يونيسكو..او توفيق الحكيم..او اليا ابو ماضي..في الطلاسم ..لم يلمس احدهم المعتقد ولكنه كتب النص العبثي..وانت صديقي تقرا تكنولوجيا الحداثة من جهاز وتحميل..الخ فاانت تعطي للنص ابعاد اخرى ليست افتراضية هي واقعية الافتراض عندك هو التناقض بين الواقع واللامتناهي..فماذا لو فككت الواقع وحده واللامتناهي وحده ليقرا النص وفق افتراضين..واقع في الذاكره وحلم غير موجود اساسا...القصة الافتراضية العبثية تعتمد على المخيال والخلق ..ولا تعيد الى العقل الباطن اسئلة النص لتجعل المتلقي دائم البحث عن تشفير النص..دمت قويا اخي..

_________________
لااخاف الاحتراق تحت وهج الشمس لكن اخاف ان لاتشرق الشمس

محمد بويش
مشرف
مشرف

عدد الرسائل : 142
العمر : 51
العمل : منشط ثقافي...المسرح .الادب
المزاج : عالي
تاريخ التسجيل : 18/10/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: مواجع الافتراض..

مُساهمة من طرف القبطانة في السبت ديسمبر 27, 2008 9:20 am

هناك صدى جديد في هذه العبارت والمفردات والحكاية برمتها أخي محمد فرغم ما قلت إلا أن القصة فريدة من نوعها ومميزة برأيي
بانتظار جديدك دوماً أخي أمير
تسلم الأيادي

_________________
المجاهرة بـ الألم تسول "شفقة"
والتستر عليه إعلان "نعي"
وبينهما لن يصلح الدمع ما أفسدته قلوبنا

-~**·~-القبطانة*
*·~-.¸¸,.-~*
لا تسأل العين الحزينة
كيف أدمتها المقل
لا تسأل الطير الشريد
لأي أسباب رحل
*·~-.¸¸,.-~*
avatar
القبطانة
المدير العام
المدير العام

عدد الرسائل : 782
الجنسية : شواطئ الأحلام
العمل : مهندسة
المزاج : قلق الانتظار
تاريخ التسجيل : 11/10/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://beaches.7olm.org

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى